موقف اليوم ترويه لنا الصحابية الجليلة أم سلمة فتقول رضي الله عنها:
تقول أم سلمة: لمّا أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة ، رحّل لي بعيره ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة في حجري ، ثم خرج بي يقود بي بعيره ، فلما رأته رجال بني المغيرة ، وهم قوم أم سلمة ، قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه ، زوجتك ، علامَ نتركك تسير بها إلى البلاد؟ قالت أم سلمة رضي الله عنها: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه ، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ، رهط أبي سلمة ، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها، نزعتموها من صاحبنا ، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة عندهم حتى خلعوا يده ، وانطلقوا به بنو عبد الأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة ، أصبحت أم سلمة عند قومها ، وسلمة عند قوم أبيه، وأصبح الزوج في رحلته للهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت أم سلمة: ففُرِق بيني وبين زوجي وبين ابني ، فكنت أخرج كل غداةٍ فأجلس بالأبطح ، وهو وادٍ في مكة ، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنةً أو قريباً منها، حتى مرّ بي رجلٌ من بني عمي ، فرأى ما بي فرحمني ، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة ، فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟! قالت أم سلمة : فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئتِ ، قالت: عند ذلك، ردّ قوم زوجي إلي ابني ، قالت: فأخذت ابني فارتحلت بعيري ، ثم خرجت أريد زوجي ، قالت: وما معي أحدٌ من خلق الله ، قلتُ: أتبلّغ بمن لقيت ، يساعدني من ألقاه في طريقي ، حتى إذا كنت بالتنعيم ، لقيت عثمان بن طلحة ، ولم يكن مسلماً وقتها ، قال: إلى أين يا بنت بني أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة ، قال: معك أحد؟ قالت: لا والله! إلا الله وابني هذا ، قال: والله ما لك من مترَك ، لن أتركك وحدك ، فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يهوي به ، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ أرى أنه كان أكرم منه ، كان إذا بلغ المنزل ، مكان الراحة ، أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلنا استأخر ببعيري فحط ّ عنه ثمّ قيّده في الشجرة ، ثم تنحى إلى شجرةٍ فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواحُ ، المسير ، قام إلى بعيري فقدّمه فرحّله ثم استأخر عني فقال: اركبي ، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاد بي حتى ينزل بي ، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة ، فلمّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف في قباء ، قال: زوجك في هذه القرية ، فادخليها على بركة الله ، ثمّ انصرف راجعاً إلى مكة.
خُلقُ العِفة تفرِضُه الفِطرة
هذا هو الموقف ، وأما العبرة: فهي في خُلق العفة التي كانت عند عثمان بن طلحة ، إنه خلق رفيع تفرضه الفطرة التي فُطر الناس عليها ، فالفطرة تقتضي أن تكون عفيفاً ، قال تعالى:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
عثمان بن طلحة لم يكن مسلماً ، ولكنه كان على الفطرة التي جعلته يخدم امرأةً دون حاجة يريدها منها ، بل كان يستأخر عنها لكي لا يرى شيئاً لا ينبغي أن يراه ، رعاها حق رعايتها ، حتى أوصلها إلى زوجها ، تلك هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
أيها الإخوة أيتها الأخوات: إلى أن نلقاكم في موقفٍ جديد أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.