برنامج مع الرسول

برنامج مع الرسول - الحلقة الثانية عشرة - رفق النبي بالمخطئين

حجم النص
برنامج مع الرسول - الحلقة الثانية عشرة - رفق النبي بالمخطئين
فتح الملف الصوتي في نافذة جديدة

مقدمة :

الدكتور بلال نور الدين :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أخوتي الأكارم ؛ أخواتي الكريمات ؛ أينما كنتم نحن معاً في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا : "مع الرسول صلى الله عليه وسلم ".

أنــــــــــا المحب ومهجتي لا تنثني عند وجدها وهيامها بمحمــــــدِ قد لامني فيه الجهول ولـــو درى معنى الهيام لكان مســــــاعدي

منقول

أيها الأخوة الأحباب ؛ نحن معاً بمعية شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي السلام عليكم سيدي .

الدكتور محمد راتب النابلسي :

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، بارك الله بك ، ونفع بك .

الدكتور بلال نور الدين :

أكرمكم الله سيدي ، اليوم سيدي نتحدث عن رفقه صلى الله عليه وسلم ، وتحديداً بالمخطئ ، عن رفقه بالمخطئ ، يقول صلى الله عليه وسلم :

عن عائشة رضي الله عنها : أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : إِنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيء إِلا زَانَهُ ، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إِلا شانَهُ

[أخرجه مسلم وأبو داود]

والرفق ضد العنف ، قبل أن أبدأ ، ما أهمية الرفق في التعامل ؟

أهمية الرفق في التعامل :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

الرفق حكمة ، الرفق رحمة ، الرفق هدف ، الرفق إصلاح ، الرفق قرب من هذا الإنسان ، أن تعرف مشكلته ، أن تعرف من أين يتألم ، أن تعرف ضعفه ، هي بطولة أن تعيش واقع الآخرين ، هي قيادة ، أن تتجاهل واقعهم هي أنانية ، فالحكمة بالغة جداً في هذا الموقف .

الدكتور بلال نور الدين :

النبي صلى الله عليه وسلم كان رفيقاً بالمخطئين ، أي هذا الرجل الذي دخل إلى المسجد ، والنبي صلى الله عليه وسلم سيركع ، فركع قبل أن يصل إلى الصف ، ويبدو أنه أحدث جلبة ، فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ؟

الموضوعية علم وأخلاق :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

بدأ بإيجابية هذا الموقف .

عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركعَ قبل أن يصلَ إلى الصفِّ ، فذكر ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : زادَك الله حِرْصا ، ولا تعُدْ

[أخرجه البخاري]

لولا حرصه أن يلحق مع النبي بالركعة الأولى ما أحدث هذه الجلبة ، فذكر إيجابية هذا العمل .

أنت مثلاً مدير عام ، وهناك موظف يتأخر ، وتريد أن تعنفه ، أنا لا أنسى إخلاصك ، لا أنسى جهدك ، لا أنسى ، لا أنسى ، لكن أتمنى عليك ألا تتأخر ، هذا توجيه لطيف وحكيم نبوي ، ذكر هذا الذي أمامك بإيجابياته يطمئن ، ويرتاح ، يرى موضوعيتك ، الموضوعية أخلاق ، الموضوعية كمال ، الموضوعية علم ، تلتقي الموضوعية مع العلم والأخلاق معاً ، إذا كنت موضوعياً فأنت عالم ، إذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي ، هذا الموظف عنده الكثير من الإيجابيات ، عندما ذكرتها له اطمأن إلى موضوعيتك ، اطمأن إلى إنصافك ، اطمأن إلى محبتك ، اطمأن إلى رحمتك ، ذكره بهذا الخطأ ، يقبله .

لي ملاحظة أخرى مع الموضوعية ، أن تلفت نظره على انفراد ، لو أمام موظف آخر شمت به ، لو ذكرت ابنك بشيء سلبي أمام أخته شمتت به ، فالبطولة أن تذكره بهذا الخطأ على انفراد ، لا أمام آخر ، لا أمام أخ ، ولا أمام أخت ، ولا أمام جماعة .

الدكتور بلال نور الدين :

(( زادَك الله حِرْصا ، ولا تعُدْ ))

الدكتور محمد راتب النابلسي :

ولا تعد ، بدأ بالحرص ، لماذا فعل هذا ؟ لحرصه على إدراك الركعة الأولى مع رسول الله .

الدكتور بلال نور الدين :

صلى الله عليه وسلم ، بعض الناس سيدي لمجرد خطأ بسيط يهدم الماضي ، أن يتعامل بهذا المبدأ إذا أخطأت معي أهدم لك كل إيجابياتك سابقاً ، لعل الله عز وجل من رحمته لا يتعامل معنا بهذا المنطلق .

الدكتور محمد راتب النابلسي :

شخص عمل ملاحظة لطيفة ، إذا كان هناك خطأ بمكان يغير البلاطة فقط ، ببلاد أخرى يغيرون البيت كله .

الدكتور بلال نور الدين :

أزل الخطأ فقط .

نعم سيدي ؛ أيضاً هذا يشبه توجيهاً نبوياً ، أو قصة نبوية مع حاطب ، حاطب بن أبي بلتعة ، صحابي لكنه أخطأ ، وأرسل رسالة إلى قريش .

الحكمة في القيادة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

أخطأ أكبر خطأ ، أخطأ خيانة ، أبلغ العدو نقاط ضعف الصديق .

الدكتور بلال نور الدين :

إن محمد سيغزوكم ، ومع ذلك لما جاءه ، عمر رضي الله عنه عملاق الإسلام قال: دعني أضرب عنقه ، قال : إنه شهد بدراً .

الدكتور محمد راتب النابلسي :

ما نسيها له .

الدكتور بلال نور الدين :

وما يدريك ؟

الدكتور محمد راتب النابلسي :

هذا الوفاء سيدي ، الأنبياء قمم المجتمع ، القمة في الكمال ، في الحكمة ، في الفهم ، في الرحمة ، في الإنصاف ، في العدل .

الدكتور بلال نور الدين :

والذي يدل على ذلك سيدي أن حاطباً لم يصبح بعد ذلك شخصاً منبوذاً في المجتمع، أرسله بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مهمة ، أرسله كسفير .

قبول العذر كمال ولو لم يكن الإنسان مقتنعاً به :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

الحقيقة أنه قبِل عذره شيء ، ثم يعتمده بالقيادة شيء آخر ، هذه أبلغ ثقة به ، إذا الإنسان أخطأ أكثر المهمات ينحيها عنه ، هذا خطأ كبير ، هو عندما يخطئ ويعود إلى صوابه وتسلمه أنت مهمة تحتاج إلى ثقة ، تكون قد مسحت الماضي كله ، منتهى الحكمة .

لو شخص له ابن غلط بحساباته مثلاً ، ثم سلمه مبلغاً كبيراً ، هذا المبلغ الكبير عندما سلمه إياه أعاد له الثقة ، هذه الحكمة .

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)

[سورة الطلاق]

الدكتور بلال نور الدين :

حاطب سيدي كان له تعليل كما نعلم ، كنت امرأ ملصقاً من قريش ، ولست من أنفسهم ، فأردت أن أتخذ عندهم يداً ، وما فعلت ذلك كفراً ، ولا ارتداداً عن دين الله ، أي قبِل عذره ، فهم موقفه .

الدكتور محمد راتب النابلسي :

أنا أقول : إن قبول العذر وحده كمال ، ولو لم تكن قانعاً به ، ما دام اعتذر هو ندم، الاعتذار ندم ، ما دام حصل ندم ، انتهى الأمر .

الدكتور بلال نور الدين :

أيضاً سيدي ؛ الأحاديث كثيرة في رفقه صلى الله عليه وسلم لاسيما بالمخطئين ، هذا الأعرابي الذي دخل إلى المسجد لعلها جريمة نكراء ، بال في المسجد ، طبعاً كان المسجد من الرمل ، بال في المسجد فالنبي صلى الله عليه وسلم :

عن أنس بن مالك : أن أعرابيّاً بال في المسجد ، فوثب إليه بعض القوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزرموه

[أخرجه مسلم وابن خزيمة]

أو لا تزرموا عليه بوله في رواية ، وهذا أيضاً توجيه ؟

معالجة النبي المشاكل بأبسط الأمور ثم توجيه الناس إلى حرمة ما يفعلون :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

كأن قضية علمية دقيقة تسبب خطأ كبيراً في الجسم ، الحقيقة فهمه للأمور الصحية صار وحياً ، وليس موضوع خبرة .

الدكتور بلال نور الدين :

فلما فرغ دعا بدلو من الماء فصب ، أي عالج المشكلة بأبسط أمر ثم وجهه إلى حرمة ذلك . أيضاً سيدي معاوية بن الحكم السلمي ، هذا الرجل الذي في الصلاة ، وهو في الصلاة يعطس رجل من القوم ، فيقول له : يرحمك الله ، فرماني القوم بأبصارهم ، وجعلوا يضربون على أفخاذهم ، يصمتونني ، فقلت : وأثكل أمياه ، ما شأنكم ؟ في الصلاة يتكلم والنبي صلى الله عليه وسلم يأخذه - ما رأيت معلماً لا قبله ولا بعده - ويقول : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح ، والتكبير ، وقراءة القرآن ، كم نحن بحاجة إلى هذه الأخلاق ؟

الكمال ثمن الجنة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

النبي الكريم قمة البشر في الكمال ، وكأن الكمال ثمن الجنة ، أي أعلى كمال الحلم ، الحكمة ، الرحمة ، التقصي ، العطف ، هذا الكمال ، بماذا جاء النبي ؟ بمكارم الأخلاق، أودعت هذه المكارم عند النبي الكريم ، فهو قمم البشر أخلاقياً .

الدكتور بلال نور الدين :

سيدي ؛ اليوم في مجتمعاتنا للأسف ، في بعض المجتمعات حلّ العنف محل الرفق فيعالج الخطأ بخطأ أكبر منه ، ويعالج المشكلة بمشكلة أكبر منها .

العنف لا يلد إلا العنف :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

أنا قرأت كتاب لبانون ، ملخص الكتاب مذهل : العنف لا يلد إلا العنف ، إياك أيها العنيف أن تتصور أن بعنفك ينتهي الأمر ، العنف يولد العنف ، يولد عنفاً أشد منه ، لا بد من الحلم ، لا بد من أن تدرس واقع هذا الإنسان ، لماذا فعل هذا ؟ أزل السبب ينتهي العنف ، العنف له سبب ، تجاهل السبب حمق ، ليس غباء ، قسوة بالغة ، والمصير سلبي وليس إيجابياً.

الدكتور بلال نور الدين :

والله تعالى من أسمائه الرفيق .

عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه : قال : قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللهَ عز وجلَ رَفيق يحِبُّ الرِّفق ، ويُعْطي عليه ما لا يُعطي على العُنْفِ

[أخرجه أبو داود]

التخلق بأخلاق الله :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

(( ويُعْطي عليه ما لا يُعطي على العُنْفِ))

أي أجر الرفق أضعاف مضاعفة ، أولاً : حلّ السلام بالأمة ، أي شيء فيه عنف يولد عنفاً أضعافاً مضاعفة ، قد تنتهي باعتذار ، تنتهي بانسحاب من منصب ، يموت آلاف مؤلفة ، تهدم البيوت الكثيرة ، من أجل موقف ثابت فيه خطأ .

الدكتور بلال نور الدين :

سيدي ؛ الله تعالى رفيق ، وأنا مخلوق ضعيف .

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)

[سورة الأعراف]

كيف آخذ هذا الرفق ؟

الدكتور محمد راتب النابلسي :

الله رفيق بعباده ، أنت أيها المدير كن رفيقاً بالموظفين ، أنت أيها الزوج كن رفيقاً بزوجتك ، أنت أيها المعلم كن رفيقاً بتلاميذك ، دائماً مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى وإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، بالملخص تخلقوا بأخلاق الله .

الدكتور بلال نور الدين :

ندعو الله بأسمائه الحسنى فنتخلق بهذا الاسم .

الدكتور محمد راتب النابلسي :

نعم ، أي أتقرب إلى الله بأن نتمثل أخلاقه العلية ، أي تخلقوا بأخلاق الله .

خاتمة وتوديع :

الدكتور بلال نور الدين :

جزاكم الله خيراً سيدي ، وبارك بكم ، ونفع بكم .

أخوتي الأكارم ؛ لم يبقَ لي في نهاية هذا اللقاء إلا أن أشكر لكم حسن المتابعة ، وأن أشكر لشيخنا حسن ما قدم ، جزاه الله عنا خير الجزاء ، نلتقيكم سائلاً المولى جلّ جلاله أن تكونوا في أحسن حال مع الله ومع خلقه ، أستودعكم الله .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته